"سلسلة لازم تتحرر - (2) التحرر من التفاهة | مع الشيخ أمجد سمير: كيف نتجنب التفاهة ونعيش حياة ذات معنى؟"
التحرر من التفاهة: كيف تستعيد وقتك وتركيزك وتعيش حياة أكثر قيمة؟ | الشيخ أمجد سمير
نعيش اليوم وسط تدفق هائل من المحتوى والمعلومات والترفيه. بمجرد فتح الهاتف يمكن أن ننتقل خلال دقائق بين عشرات المقاطع والمنشورات والأخبار، ونقضي وقتًا طويلًا في أشياء قد لا تضيف شيئًا حقيقيًا إلى حياتنا.
لكن هل التفاهة تعني فقط مشاهدة محتوى خفيف أو قضاء بعض الوقت في الترفيه؟ أم أن مفهومها أعمق من ذلك؟
في الحلقة الثانية من سلسلة «لازم تتحرر» ضمن بودكاست «فاهم»، يناقش الشيخ أمجد سمير مفهوم التحرر من التفاهة، ويبدأ من نقطة مهمة: قبل أن نحاول التخلص منها، يجب أولًا أن نفهم معناها الحقيقي.
فالإنسان قد يبدو في نظر الناس جادًا وناجحًا وصاحب مكانة، ومع ذلك تكون الأشياء التي يعيش من أجلها قليلة القيمة، بينما قد يكون شخص آخر بعيدًا عن الشهرة والأضواء لكنه يعيش من أجل أهداف ومعانٍ عظيمة.
الشيخ أمجد سمير يقدم محتوى شرعيًا وتربويًا، وشارك في سلسلة «لازم تتحرر» التي تناقش عددًا من العوائق التي قد تمنع الإنسان من أن يعيش بوعي، ومنها الغفلة والتفاهة والعادات والتشتت.
كيف نتحرر من التفاهة ونوجّه حياتنا نحو ما يستحق؟
الخطوة الأولى هي إعادة تعريف ما هو الشيء المهم فعلًا. فكثير من الأشياء التي تحصل على اهتمام ضخم في حياتنا قد لا تستحق هذا الحجم من الوقت والطاقة.
قد يقضي الإنسان ساعات في متابعة أخبار أشخاص لا يعرفهم، أو خلافات لا تؤثر عليه، أو محتوى ينتهي ولا يترك لديه علمًا أو مهارة أو ذكرى حقيقية.
المشكلة ليست في أن يستمتع الإنسان أو يرفّه عن نفسه، فالترفيه له مكان طبيعي في الحياة، وإنما المشكلة عندما يتحول إلى المحور الأساسي لليوم.
وهنا يجب التفريق بين الترفيه والتفاهة. الترفيه قد يمنح الإنسان راحة يحتاج إليها بعد العمل أو الدراسة، بينما التفاهة تظهر عندما تستولي الأشياء قليلة القيمة على معظم الاهتمام والوقت.
قد تشاهد فيلمًا أو مباراة أو مقطعًا للترفيه، ثم تعود إلى حياتك وأهدافك بشكل طبيعي. لكن المشكلة عندما يصبح الانتقال بين المقاطع والمنشورات هو النشاط الأساسي الذي يستهلك ساعات يومك.
ومن أكبر أسباب الانجذاب إلى المحتوى التافه أنه سهل وسريع. لا يحتاج إلى تركيز أو مجهود كبير، ويمنح العقل مكافأة فورية.
أما قراءة كتاب أو تعلم لغة أو دراسة مهارة جديدة فتحتاج إلى صبر وتركيز، وقد لا تظهر النتيجة في اللحظة نفسها.
ولهذا يميل العقل أحيانًا إلى اختيار الأسهل حتى لو كان الأقل قيمة.
ومن هنا يبدأ التحرر من التفاهة بفهم أن سهولة الشيء لا تعني أنه الأفضل لنا.
قد يكون من الأسهل فتح الهاتف لمدة ساعة، لكن بعد انتهاء الساعة قد لا يكون لدينا شيء حقيقي استفدنا منه.
بينما ساعة واحدة في تعلم مهارة أو ممارسة الرياضة أو الجلوس مع الأسرة قد تترك أثرًا يستمر لفترة أطول.
ومن مظاهر التفاهة أيضًا أن يصبح الإنسان منشغلًا باستمرار بما يفعله الآخرون.
من تزوج؟ من انفصل؟ ماذا اشترى فلان؟ ماذا قال المشهور الفلاني؟ وما الخلاف الجديد المنتشر على مواقع التواصل؟
كل هذه الأشياء قد تستهلك مساحة كبيرة من العقل، بينما توجد أسئلة أهم بكثير تخص حياتنا نحن.
ماذا أريد أن أتعلم؟ ما المهارة التي أحتاج إلى تطويرها؟ كيف أصبحت علاقتي بأسرتي؟ ما العادة التي أحتاج إلى تغييرها؟
كلما زاد الاهتمام بحياة الآخرين، قد يقل الانتباه إلى بناء حياتنا الشخصية.
ومن الأمور المهمة كذلك الانتباه إلى ما يسمى اقتصاد الانتباه. كثير من التطبيقات مصممة بحيث تجعل المستخدم يستمر لأطول فترة ممكنة، من خلال المقاطع القصيرة والإشعارات والاقتراحات المتتالية.
ولهذا قد يفتح الإنسان التطبيق ليشاهد شيئًا لمدة خمس دقائق، ثم يكتشف أن ساعة كاملة مرت دون أن يشعر.
التحرر هنا يحتاج إلى قرارات عملية، مثل إغلاق الإشعارات غير الضرورية، وتقليل عدد الحسابات التي نتابعها، وتحديد أوقات معينة لاستخدام المنصات.
ومن الطرق المفيدة كذلك أن يسأل الإنسان قبل استهلاك أي محتوى: ماذا سيضيف لي هذا؟
ليس مطلوبًا أن تكون كل دقيقة تعليمًا أو عملًا، لكن السؤال يساعد على اكتشاف الأشياء التي لا نختارها فعلًا، وإنما نستهلكها بشكل تلقائي.
قد تكتشف مثلًا أنك لا تستمتع أصلًا بنصف المحتوى الذي تتابعه، لكنك تستمر فيه لأنه يظهر أمامك فقط.
ومن علامات الوقوع في التفاهة أن يصبح العقل غير قادر على تحمل الهدوء أو التركيز الطويل.
قد يشعر الإنسان بالملل بعد دقيقتين من قراءة كتاب، بينما يستطيع مشاهدة عشرات المقاطع القصيرة دون مشكلة.
هذا لا يعني أن قدرته على التركيز اختفت نهائيًا، لكنها تحتاج إلى تدريب من جديد.
يمكن البدء بعشر دقائق من القراءة دون هاتف، ثم زيادة الوقت تدريجيًا.
كما يمكن تخصيص فترات في اليوم لا يكون الهاتف فيها قريبًا، خصوصًا أثناء الدراسة والعمل أو قبل النوم.
ومن الأشياء التي تساعد على التخلص من التفاهة أن يمتلك الإنسان مشروعًا أو هدفًا حقيقيًا.
فالشخص الذي يعرف ما يريد تحقيقه يصبح أكثر حساسية تجاه الأشياء التي تسرق وقته.
قد يكون الهدف تعلم لغة، أو حفظ جزء من القرآن، أو بناء مشروع، أو تحسين اللياقة، أو الحصول على شهادة مهنية.
وجود هدف يجعل الإنسان يسأل نفسه تلقائيًا: هل ما أفعله الآن يساعدني على الاقتراب منه أم يبعدني عنه؟
لكن يجب أن يكون الهدف واقعيًا وواضحًا. عبارة مثل «أريد أن أكون شخصًا أفضل» جميلة، لكنها لا تحدد خطوة عملية.
الأفضل أن تقول مثلًا: سأقرأ عشر صفحات يوميًا، أو سأتعلم الإنجليزية نصف ساعة، أو سأتمرن ثلاث مرات أسبوعيًا.
ومن المهم أيضًا اختيار ما يدخل إلى العقل بعناية.
مثلما يهتم الإنسان بالطعام الذي يدخل إلى جسده، يحتاج أيضًا إلى الاهتمام بالمعلومات والأفكار التي يستهلكها يوميًا.
إذا كان أغلب ما يشاهده عبارة عن سخرية وخلافات ومقاطع بلا معنى، فمن الطبيعي أن تصبح هذه الأشياء جزءًا كبيرًا من تفكيره.
أما إذا كان هناك توازن بين الترفيه والعلم والثقافة والقرآن والمحتوى النافع، فيصبح العقل أكثر ثراءً.
ومن المفيد إجراء عملية تنظيف للمحتوى من فترة إلى أخرى.
يمكن إلغاء متابعة الحسابات التي تستهلك الوقت دون فائدة، والاشتراك بدلًا منها في مصادر تقدم علمًا أو مهارات أو أفكارًا تستحق الانتباه.
وهذا لا يعني أن تتحول مواقع التواصل إلى مدرسة طوال الوقت، وإنما أن تكون أنت الذي يختار المحتوى بدلًا من أن تختاره الخوارزمية بالكامل.
ومن صور التفاهة كذلك المبالغة في الاهتمام بصورة الإنسان أمام الناس.
قد يقضي الشخص وقتًا كبيرًا في التفكير في كيف يبدو، وماذا سيقول الناس عنه، وكيف سيظهر على مواقع التواصل، بينما يهمل حقيقة حياته عندما لا ينظر إليه أحد.
القيمة الحقيقية للإنسان لا تتحدد بعدد الإعجابات أو المتابعين أو مدى شهرته.
وقد يذكرنا مفهوم التفاهة بأن بعض الأشخاص الذين لا يعرفهم أحد قد تكون حياتهم مليئة بالعلم والخير والنفع، بينما لا يعني انتشار شخص آخر أن ما يقدمه أكثر قيمة.
وهذا يغير معيارنا للحكم على النجاح.
ليس كل مشهور مهمًا، وليس كل شخص مجهول قليل القيمة.
ومن الأسئلة المفيدة في هذا السياق: ما الأشياء التي ستظل مهمة بالنسبة لي بعد عشر سنوات؟
كثير من الخلافات والترندات التي تبدو ضخمة اليوم لن يتذكرها أحد بعد فترة قصيرة.
لكن المهارة التي تعلمتها، والعلاقة التي بنيتها مع أسرتك، والكتاب الذي غير طريقة تفكيرك، والعمل الذي قدمته، قد يستمر أثرها لسنوات.
ومن هنا يأتي مفهوم عمق الحياة.
الحياة العميقة لا تعني أن يكون الإنسان جادًا وحزينًا طوال الوقت، بل أن يعرف متى يلهو ومتى يعمل، وما الأشياء التي تستحق أن يمنحها قلبه وعقله ووقته.
يمكنك أن تضحك وتستمتع وتخرج مع أصدقائك، وفي الوقت نفسه يكون لديك علم تتعلمه، وهدف تعمل من أجله، وعبادة تحافظ عليها.
المشكلة ليست في المرح، وإنما في أن تصبح الحياة كلها بحثًا مستمرًا عن جرعة جديدة من التسلية.
ومن الطرق العملية للتحرر من التفاهة تخصيص ساعة واحدة يوميًا بدون محتوى سريع.
لا مقاطع قصيرة، ولا انتقال عشوائي بين التطبيقات. يمكن استخدام الساعة في القراءة أو التعلم أو الرياضة أو الكتابة أو الحديث الحقيقي مع الأسرة.
بعد فترة يبدأ الإنسان في استعادة قدرته على الاستمتاع بالأشياء التي تحتاج إلى تركيز وصبر.
كما يمكن تجربة سؤال بسيط في نهاية اليوم: ما أكثر شيء أخذ من وقتي اليوم؟ وهل كان يستحق؟
إذا تكرر أن ساعتين أو ثلاثًا تضيع يوميًا في محتوى لا تتذكره، فهذه إشارة تحتاج إلى تغيير.
والتحرر من التفاهة لا يحدث بإلغاء كل أشكال الترفيه، بل بإعادة الترتيب الصحيح للأولويات.
فالإنسان يحتاج إلى الراحة، لكنه يحتاج أيضًا إلى معنى. ويحتاج إلى الاستمتاع، لكنه يحتاج كذلك إلى علم ونمو وإنجاز وعلاقة بالله.
كلما عرف الإنسان قيمة عمره وما يريد أن يتركه خلفه، أصبحت الأشياء السطحية أقل قدرة على السيطرة عليه.
وهنا يصبح التحرر من التفاهة ليس حربًا ضد المتعة، وإنما قرارًا بأن تكون الأشياء الأكثر قيمة هي التي تحصل على الجزء الأكبر من العمر والاهتمام.